[/b]

[b]
في الوقت الذي كان فيه الشعر يرزح تحت وطأة الانفعال الشخصي ، يموج بزبد ذاته فقط ، وفي الوقت الذي كانت أبجدية العمق تتوج غنائية الاحساس الخاص ملك على القدرات ، استطاع الشاعر بدر شاكر السياب أن يستنبط لغته الخاصة التي ترتجل العمق والملحمية في قصائده الشعرية أنذاك ... فيدق ابواب الاحساس بنبل بالغ .. لتفتح لها الابواب على مصرع الخلود .. ولتتشابك مع ذراع مخيلته الذي انطلق بالمعنى والاداء الفني الى أوج ، كان الكثيرون في أيامه بعيدون عنه ، ومن هنا درج اسم السياب في القائمة الاولى في الذاكرة ، وان يأخذ حقه في التعريف ، أذا ان خرائطه الفنية تنوعت فيها التضاريس الشعرية ، في استرسال الالهام والاحساس
الشعري كقدرة فريدة ... يعد بدر شاكر السياب أحد اهم الشعراء الذين رحلو من عالمنا ، بعد رحله حافلة بنتاج شعري متعدد ، كان أخرها أنشودة المطر ...التي نشرت اريجه بين سطورها وتمسك بأغوار المعنى والحس الممعن في عمقه ونقائه حتى يومنا هذا .
أن من يقرأها يستشف على الفور جنوحه الى الارتباط بالحياة والطبيعة والحب ، والذي يسيج غور كلماته من بخيوط من حرير الرقي والاصالة ... لهذه الانشودة رؤية في غاية الاهمية انها تصنف مكانة هذا الشاعر في وطنه ، حيث يقول :
أتعلمين اي حزن يبعث المطـــر ؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمـر؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضيـاع؟
بلا أنتهاء - كالدم المراق ، كالجياع كالحب كالاطفال كالموتى - هو المطر ...
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر ...
هنا يبحر شاعرنا في سديم النفوس بمراكب نورانية الاحساس فتضيء عتمة الغموض وتزيح التباسها عن كاهل المعنى ..فقد قفز بمخلوقه الشعري فوق اسوار المألوف ، لتنتزع جدارة تخص المتفردين امثاله ، أطلالته هذه ماهي الا بوح فلسفي ملفح بالسهولة همهمته في بعض الكلمات تفصح عن دفء الحرف والمعنى ... عبر قصيدته هذه نجد أهتزاز أضواء الشوارع بعنف ، وتكاد أخصان الاشجار العارية المديدة تهجم على نافذة الاقدار في أندفاع العصف بها ، أنها تثقل الحزن على النفوس بثقل الثاريخ على الحجارة ... ضوء شاحب متراقص بقسوة ، متقطعاً والليل خضم من الظلمة المتأرجحة ولجج الموت تقترب لتكسحنا .... يناديها ... ليخبرها عن الحزن الذي يرجرج نافذته الى جانب هطول المطـــر ، وهو يعير السمع للصوت المفاجىء الذي تفرقعه المزاريب ، ومن الزاوية البعيدة ، ينبجس الصوت حاداً ، مدوياً ، كنبع في الشتاء محاط بثلوج الشتاء ... يرهف ثم يشتد ثم يتكسر ، ولكنه شبه مكبوت على وشك أن ينفجر .... العاصفة تزداد عنفاً ، وأشباح الارواح الوحيدة تخترق النفوس ، والصوت السابح في الفضاء يزداد نعومة ورقة ، معلن بداية السكوت والصمت ... وكلما ازدادت العاصفة هياجاً ، ازداد [b]فضاء النفوس سكوناً وصمتاً .... هكذا طل علينا الشاعر بدر شاكر السياب بأنشودة المطر ، التي تمطر بكثافة الأسئلة، يصوغ بجرأة أصابعه غيوم الشعر كما لو أن الكتابة في الأصل عطب ما مع الوجود ، والسؤال بداية الحزن والمطر قميصه الأبدي. من عمق المساء الطفولي تدير مقبض النافذة، تصافح غيمة وتقفز لتمتطي الالم في داخل النفوس وتمسك بخيوط المطر لحظة التشظي السحري. والمدهش، أنه يرسم بلمسات أبعد من الخيال ، هيكل الشتاء، جمجمة القمر وأسنان الخريف.
يشك في جثة النافذة وتحطم أشباح الجدران. من تقاطع هذه الدوائر التي تمطر بغزارة يصنع السياب عالمه الشعري في قطرات المطر. غير أن المطر في "زحمة الكلام" ليس نتيجة لمعادلة فيزيائية ولكنه هوية قد تضيع على حين غرة بين الأصابع مثلما يضيع خاتم في النهر. بين قطرة وقطرة تختلط الآم النفوس الموجوعة وعبر الرنة الدراماتيكية ذاتها إنها المعادلة السحرية للماء التي يحاول الشاعر فكها بلغة الشعر التي تتراوح بين الرومانسية والسريالية. فالمطر كائن خرافي يكثف دهشتنا أمام العالم وحالة وجودية ملتصقة بالأسئلة العميقة للكائن ربما لأنه يذكرنا بالشتات والغربة والعزلة والضياع خصوصا حينما ينقر جدار أيامنا.. ونحن نصغي إليه من خلف الزجاج ونرتشف الشاي...... فالمطر يؤثث فضاء لتراجيديا سوداء تبدأ بتهشيم الفراغ بمطرقة اليد وتنتهي بفقدان مدينة الاهل والأصدقاء والحب النادر لتأخذ بذلك الانشودة شكل الحياة والموت معا.....
" إن أنشودة المطر طويلة تشبه ليلة ماطرة نص يعكس توتر الشاعر مع موطنه... والذي يستحق الإصغاء إليه بأذن الروح. لقد منح لانشودة المطر طاقة تعبيرية خارقة تمتزج فيها ألوان القلق والخوف المرعب والألم والموت.. بألوان الحب والأمل في تناغم لافت لذلك الغموض الجميل للشعر. يبدو أن المطر في متخيل القصيدة مرآة مفتوحة على الكينونة. تتماهى فيها خطوط الداخل والخارج؛ الصمت والكلمات؛ الدموع وقطرات المطر والسماء تمطر بدون انقطاع ذاك اليوم . فحين يضيع الحب في ليلة ممطرة ويغيب الامــل وترفض الحياة أن تستحيل موطئاً للروح يصبح الفراغ الذي يحدثه المطر بين قطرة وقطرة بمثابة دوي هائل يأتي على كل شيء، على النفس والفكرة..... إن الاشتغال على المطر كطقس من طقوس الكتابة والألم وغموض العالم هو اشتغال يندرج في بحث الشاعر المستمر على عمق الفاجعة والعطب عبر تضاريس الذاكرة. هناك حيث يختط السكون بالمدينة؛ والمطر بالجدران وصوته عند هطوله من المزاريب ونوافذ الزجاج والسحب في بناء شعري سريالي يروم إعادة تشكيل ملامح هذه المدينة.. ومنحه عبر لغة منسابة وشفافة رعشة الدفقة الأولى. من يقرأ "أنشودة المطر" يدرك أن للمطر حكايات أخرى؛ ألوان وإيقاعات أخرى فالسياب يمارس الشعر بمفهوم ان المطر يشبه إلى حد كبير لعبة الملائكة في السماء.. أما النفوس الملبدة بالخوف والوم وأمطار الحزن التي تهطل بكثافة على بغداد فتلك حكاية أخرى يلزمنا لاستيعابها إعادة تفكيك كلمات السياب في هذه الانشودة ... هي ألا سُحب رافضة للموت وهمجية الحرب والنفي والنزوح. سحب تحتفي بقطرات الماء من المطر...... ، وما
بشعرية الحزن والدموع